الغزالي
11
الاقتصاد في الاعتقاد
التمهيد الثالث ( في بيان الاشتغال بهذا العلم من فروض الكفايات ) اعلم أن التبحر في هذا العلم والاشتغال بمجامعه ليس من فروض الأعيان وهو من فروض الكفايات . فأما أنه ليس من فروض الأعيان فقد اتضح لك برهانه في التمهيد الثاني . إذ تبين أنه ليس يجب على كافة الخلق إلا التصديق الجزم وتطهير القلب عن الريب والشك في الإيمان . وإنما تصير إزالة الشك فرض عين في حق من اعتراه الشك . فإن قلت فلم صار من فروض الكفايات وقد ذكرت أن أكثر الفرق يضرهم ذلك ولا ينفعهم ؟ فاعلم أنه قد سبق أن إزالة الشكوك في أصول العقائد واجبة ، واعتوار الشك غير مستحيل وإن كان لا يقع إلّا في الأقل . ثم الدعوة إلى الحق بالبرهان مهمة في الدين . ثم لا يبعد أن يثور مبتدع ويتصدى لإغواء أهل الحق بإفاضة الشبهة فيهم فلا بد ممن يقاوم شبهته بالكشف ويعارض إغواءه بالتقبيح ، ولا يمكن ذلك إلا بهذا العلم . ولا تنفك البلاد عن أمثال هذه الوقائع ، فوجب أن يكون في كل قطر من الأقطار وصقع من الأصقاع قائم بالحق مشتغل بهذا العلم يقاوم دعاة المبتدعة ويستميل المائلين عن الحق ويصفي قلوب أهل السنة عن عوارض الشبهة . فلو خلا عنه القطر خرج به أهل القطر كافة ، كما لو خلا عن الطبيب والفقيه . نعم من أنس من نفسه تعلم الفقه أو الكلام وخلا الصقع عن القائم بهما ولم يتسع زمانه للجمع بينهما واستفتي في تعيين ما يشتغل به منهما ؛ أوجبنا عليه الاشتغال بالفقه فإن الحاجة إليه أعم والوقائع فيه أكثر فلا يستغني أحد في ليله ونهاره عن الاستعانة بالفقه . واعتوار الشكوك المحوجة إلى علم الكلام باد بالإضافة إليه كما أنه لو خلا البلد عن الطبيب والفقيه كان التشاغل بالفقه أهم ؛ لأنه يشترك في الحاجة إليه الجماهير والدهماء . فأما الطب فلا